واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا
الحمد لله حمد كثيرا طيبا مباركا فيه
الحمد لله حمد كثيرا طيبا مباركا فيه
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
إذا كنا قد بينا في الخاطرة السابقة أن الصراع عند وقوعه فهو القدر لا محالة
وقدر الله فيه الخير حتى ولو بدى الأمر على خلاف ذلك
فربما فهم البعض أن في هذا استدلال وتأصيل للفرقة والصراع
وشاء الله أن تكون هذه الآية في بداية الجزء التالي فتكون توضيحا لما سبق
لا شك أن الاختلافات الكثيرة بين الجماعات والفرق والمذاهب تأخذ حيزا ووقتا من العاملين على الساحة
وتختلف الرؤى والطرق في معالجة الأمر والتعامل معه ما بين فكر استئصالي يضع كل المخالفين له في سلة واحدة ويجعل لها مصير واحد
وبين فكر تمييعي لا يفرق بين الاختلاف السائغ والاختلاف غير السائغ والجميع على خير ويبتغي وجه الله
بين من لا يفرق بين اختلافات فكرية وفقهية وسع السابقين الاختلاف في مثلها واختلافات عقائدية يجب فيها التمايز
والدعوة الى الوحدة والاعتصام ما تزال حلما يراود الكثيرين ممن يريدون الخير لهذه الأمة ويؤلمهم أن تنقسم إلى فرق وأحزاب يعادي بعضها بعضا ويضلل بعضها البعض
ولكن الله سبحانه لم يجعل دعوته إلى وحدة المؤمنين ووقيام بنيانهم لم يجعلها دعوة على غير أساس
لأن كل بنيان يقوم على غير أساس هو بنيان ضعيف حتى ولو بدى مثل الجبل في ضخامته فسريعا ما ينهار عند الاختبار
وقد حدد الله لهذه الأمة أساسا تقوم فوقه وتبني عليه وهو كتاب الله الذي هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي تبين ما استشكل منه وتوضح مراده ومقصده
فكل دعوة للوحدة على أي أساس كان غير وحي الله هي دعوة محكوم عليها بالفشل حتى ولو نجحت في أمم أخرى قامت على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو أيا من هذه الأسس الجاهلية
فإن أخوة هذه الأمة لا تقوم إلا على أخوة المعتقد فهي وحدها القادرة على لم شعثهم وإعادة الحياة إلى أجسادهم الهامدة
ولا ينبغي أن يحدث الانقسام بعدئذ بين أصحاب مدرسة الوحي
حتى وإن اختلفت الأفهام وتعددت المذاهب ما بين محب للتيسير يفتي بالأيسر ومحب للورع يفتي بالأورع
فمن المستحيل أن تجتمع الأفهام على فهم واحد والآراء على رأي واحد
اختلف الأنبياء ما بين قائل ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وقائل إن تعذبهم فإنهم عبادك
واختلف الصحابة واشتهرت شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس
واختلف خير الناس في القرون الفاضلة التي فضلت بمن فيها بمن فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
ونجد أن المذاهب والمدارس الفكرية ظهرت كلها تقريبا في خلال هذه القرون الثلاثة الحافلة بالأئمة والأعلام
وعندي قناعة شخصية أن هذا الاختلاف بين المدارس الفقهية والفكرية فيه من الرحمة الكثير
مع علمي أن مقولة اختلاف العلماء رحمة ليست حديثا صحيحا
ولكني ومن خلال تجربتي الصغيرة رأيت أناسا لا يصلحهم ولا يتوافق مع تركيباتهم النفسية والوجدانية إلا مدرسة ما من المدارس الموجودة على الساحة إن ذهب إلا غيرها شعر بالغربة والاضطراب ولم يسترح إلا عندما يحط رحاله في ساحة المدرسة التي يستريح عندها والتي تتوافق مع تركيبته
وربما يستثقل البعض هذه المعالجة للاختلافات وأن لها علاقة بالاختلافات النفسية ما بين سعة في الأفق وضيق يرى صاحبه أنه ورع وأن سعة الآخر نوع من أنواع التسيب ويرى الاخر أن ورعه ما هو إلا نوع من أنواع التنطع والتشدد المذموم
ما بين منبسط تستطيع أن تناقشه وتحاوره وبين من هو غير ذلك ممن لا تستطيع أن تجري معه حوارا صغيرا
وهكذا
وعلماء التنمية البشرية يقسمون الناس إلى أنواع كثيرة
فتسمعهم يقولون هذا بصري وهذا سمعي وهذا حسي ... وغيرها من التصنيفات متعددة
وأنا لا أقول أن الجميع هم مجرد قوالب متشابهة لا اختلافات بينها فربما تجد داخل المدرسة الواحدة طبائع مختلفة متباينة
ولكن هناك سمات مشتركة لا شك وهي تلك التي أشير إليها
ربما لا أستطيع أن أشير بدقة
لكنه شئ ما قد استقر في الوجدان نتيجة للتعامل والمشاهدة والتأمل مع الاهتمام بهذه الاختلافات التي ظلت تؤرقني كثيرا
هناك سمات كثيرة أو أصلية مشتركة بين أبناء المدرسة الواحدة
على كل حال وبعيد عن أسباب الاختلافات وهل هي مجرد قناعات فكرية دون دخل للطبائع أو أن للطبائع والسمات النفسية دورا فإن الاختلافات واقعة ومحسوسه
والله تعالى قد أمرنا بالاعتصام بحبله ووحيه وأمرنا ألا نتفرق
فالواجب على أبناء مدرسة الوحي إذا أن يستجيبوا للنداء ويتركوا هذا التعصب البغيض حتى وإن ظن بعضهم أنه صاحب الفهم الراجح والعقل المصيب والحجة البالغة
إنه نداء من الله بعدم التفرق
والله سبحانه لا يأمر بمحال
فالأمر جائز إذا فقط إذا صفت الضمائر وخلصت النيات لله
0 comments:
إرسال تعليق