الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

الصبر على التحصيل

ومن أسمى أنواع الصبر الصبر في طريق التحصيل والتعلم وفي هذا من الحكايات مالا يصدقه عقل في قوم تركوا بلادهم وباعوا أملاكهم لكي يتعلموا هذا العلم النافع الذي يصل بهم إلى مرضات ربهم
والصبر على التحصيل أمر لابد منه في طريق المصلحين فإن العلم له ثمرات مهمة لا تتحصل إلا به
فالعلم أولا هو طريق الأنبياء والصالحين ثم هو يقصر الطريق ويذلل العقبات ويقوي الحجة ...

الصبر على التحصيل

قال تعالى
" قالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً{64} فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً{65} قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً{66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً{68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً{69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً{70} الكهف

وفيما رواه البخاري بسنده إلى سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس :
إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر فقال كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا أعلم فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك قال يا رب وكيف به فقيل له احمل حوتا في مكتل فإذا فقدته فهو ثم فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون وحملا حوتا في مكتل حتى كانا عند الصخرة وضعا رءوسهما وناما فانسل الحوت من المكتل { فاتخذ سبيله في البحر سربا }
وكان لموسى وفتاه عجبا فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما فلما أصبح قال موسى لفتاه { آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } ولم يجد موسى مسا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به فقال له فتاه { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان } قال موسى { ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا } فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب أو قال تسجى بثوبه فسلم موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام فقال أنا موسى فقال موسى بني إسرائيل قال نعم قال { هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا } قال { إنك لن تستطيع معي صبرا } يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه لا أعلمه { قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا } ...
قال ابن حجر في الفتح في سياق شرحه للحديث " هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم "

ونقل الخطيب في الرحلة " قال بعض أهل العلم إن فيما عاناه موسى من الدأب والسفر وصبر عليه من التواضع والخضوع للخضر بعد معاناة قصده مع محل موسى من الله وموضعه من كرامته ، وشرف نبوته دلالة على ارتفاع قدر العلم ، وعلو منزلة أهله ، وحسن التواضع لمن يلتمس منه ويؤخذ عنه ، ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحد بارتفاع درجة ، وسمو منزلة لسبق إلى ذلك موسى ، فلما أظهر الجد والاجتهاد ، والانزعاج عن الوطن والحرص عن الاستفادة مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من العلم إلى ما هو غائب عنه دل على أنه ليس في الخلق من يعلو على هذه الحال ، ولا يكبر عنها "

وروى جعفر بن سليمان الضبعي ، عن مالك بن دينار قال : « أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام أن اتخذ نعلين من حديد وعصا من حديد ثم اطلب العلم والعبر حتى يخترق نعلاك ، أو يخلق نعلاك وتنكسر عصاك »


وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة "
وبوب الإمام البخاري باب الخروج في طلب العلم
وأتبعه بهذا الأثر " ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد "
وهو الحديث الذي أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وغيرهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر على الباب . فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم . فخرج فاعتنقني . فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يحشر الله الناس يوم القيامة عراة " فذكر الحديث

وروى أبو داود من طريق عبد الله بن بريدة أن رجلا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث .
وروى الخطيب عن عبيد الله بن عدي قال : بلغني حديث عند علي فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره فرحلت حتى قدمت عليه العراق

وعن ابن مسعود في كتاب فضائل القرآن قوله : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه

وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله أن ابن عباس رضي الله عنه قال : « كان يبلغني الحديث عن الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلو أشاء أن أرسل إليه حتى يجيئ فيحدثني فعلت ولكني كنت أذهب إليه فأقيل على بابه حتى يخرج إلي فيحدثني »

و عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : « إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد »

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه « أن مسروقا ، رحل في حرف وأن أبا سعيد رحل في حرف » يعني في كلمة

وقال الشعبي : « لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ؛ ليسمع كلمة حكمة ما رأيت سفره ضاع

قيل لابن المبارك ، إلى متى تطلب العلم ؟ قال : « حتى الممات إن شاء الله »

وقيل له مرة أخرى مثل ذلك فقال : « لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد »

كان مالك يقول : « إن هذا الأمر لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر ، وذكر ما نزل بربيعة من الفقر في طلب العلم حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم وحتى كان يأكل ما يلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر »

قال ابن المديني قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله ؟ قال : بنفي الاعتماد والسر في البلاد وصبر كصبر الجماد وبكور كبكور الغراب

قال محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ، « كنت يتيما في حجر أمي فدفعتني في الكتاب ، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم ، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام ، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء ، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها ، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيس قط ، فكنت إذا رأيت عظما يلوح آخذه فأكتب فيه ، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديما ، قال : ثم قدم وال على اليمن فكلمه لي بعض القرشيين أن أصحبه ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به ، فرهنت دارها بستة عشر دينارا فأعطتني فتحملت بها معه

وكتب الشافعي رحمه الله إلى محمد بن الحسن إذ منعه كتبه قل لمن لم تر عين من رآه مثله ومن كان من رآه قد رأى من قبله العلم يأبى أهله أن يمنعوه أهله لعله يبذله لأهله لعله فوجه إليه محمد بن الحسن ما أراد من كتبه فكتبها
« وكان الشافعي يقول : سمعت من محمد بن الحسن رحمه الله وقر بعير ، وقالوا : » من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا

وعن غالب القطان قال : « أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش وكنت أختلف إليه فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل بهذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام

قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه وهي لي عند الله وديعة وإن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا فغدوت إليه فودعته ، ثم قلت : إني سمعتك تقرأ هذه الآية ترددها فما بلغك فيها ؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به ، قال : والله لا أحدثنك به سنة ، قال : فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم ، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة قال : حدثني أبو وائل ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عز وجل : عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة

الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي - (ج 1 / ص 10)
عن أبي مطيع معاوية بن يحيى قال : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : أن اتخذ نعلين من حديد وعصى من حديد ، واطلب العلم حتى تنكسر العصا وتنخرق النعلان

وروى الخطيب في الرحلة
عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان ، قال بلغني عن أبي هريرة ، حديث أنه قال : إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فحججت ذلك العام ، ولم أكن أريد الحج إلا للقائه في هذا الحديث ، فأتيت أبا هريرة فقلت : يا أبا هريرة بلغني عنك حديث ، فحججت العام ، ولم أكن أريد الحج إلا لألقاك ، قال : فما هو ؟ قلت : إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقال أبو هريرة : ليس هكذا قلت ، ولم يحفظ الذي حدثك . قال أبو عثمان : فظننت أن الحديث قد سقط قال : إنما قلت : إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ، ثم قال : أو ليس في كتاب الله تعالى ذلك قلت : كيف ؟ قال : لأن الله يقول : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة (1) والكثيرة عند الله أكثر من ألفي ألف ، وألفي ألف

وفي الرحلة أيضا
عن ربيعة بن يزيد ، قال : سمعت ابن الديلمي ، يقول : بلغني حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، فركبت إليه إلى الطائف أسأله عنه ، وكان ابن الديلمي بفلسطين ، قال : فدخلت عليه ، وهو في حديقة له ، فوجدته مختصرا بيد رجل كنا نتحدث بالشام أن ذلك الرجل من شربة الخمر ، قال : فقلت له : يا أبا محمد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : في شارب الخمر شيئا ، قال : فاختلج الرجل يده من يد عبد الله بن عمرو ، فقال : نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا

وعن علي بن عاصم : خرجت من واسط إلى الكوفة أنا وهشيم لنلقى منصورا ، فلما خرجت من واسط ، سرت فراسخ لقيني إما أبو معاوية ، وإما غيره فقلت : أين تريد ؟ قال أسعى في دين علي ، قال : فقلت ارجع معي ، فإن عندي أربعة آلاف درهم أعطيك منها ألفين فرجعت فأعطيته ألفين ، ثم خرجت فدخل هشيم الكوفة بالغداة ، ودخلتها بالعشي ، فذهب هشيم ، فسمع من منصور أربعين حديثا ، ودخلت أنا الحمام ، فلما أصبحت مضيت فأتيت باب منصور ، فإذا جنازة فقلت : ما هذه ؟ قالوا : جنازة منصور ، فقعدت أبكي ، فقال لي شيخ هناك : يا فتى ما يبكيك ؟ قال : قلت قدمت على أن أسمع من هذا الشيخ ، وقد مات ، قال : فأدلك على من شهد عرس أم ذا ، قلت : نعم ، قال : اكتب ، حدثني عكرمة عن ابن عباس قال : فجعلت أكتب عنه شهرا ، فقلت له من أنت رحمك الله ؟ قال أنت تكتب عني منذ شهر لم تعرفني . أنا حصين بن عبد الرحمن ، وما كان بيني وبين أن ألقى ابن عباس إلا سبعة دراهم أو تسعة دراهم ، فكان عكرمة يسمع منه ثم يجيء فيحدثني




وفي وفيات الأعيان عن الرئيس العلم ابن سينا أنه لما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن العزيز والأدب وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة، ثم توجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي ، فأنزله أبو الرئيس أبي علي ( أي ابن سينا ) عنده، فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب إيساغوجي واحكم عليه علم المنطق وإقليدس والمجسطي وفاقه أضعافاً كثيرة، حتى أوضح له منها رموزاً وفهمه إشكالات لم يكن للناتلي يد بها، وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد، يقرأ ويبحث ويناظر، ولما توجه الناتلي نحو خوارزم شاه مأمون بن محمد اشتغل أبو علي بتحصيل العلوم كالطبيعي والإلهي وغير ذلك، ونظر في النصوص والشروح وفتح الله عليه أبواب العلوم، ثم رغب بعد ذلك في علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه، وعالج تأدباً لا تكسباً، وعلمه حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثل، واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة، وسنه إذ ذاك نحو ست عشرة سنة. وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة، وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد الجامع، وصلى ودعا الله عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له

قال الزمخشري حاكيا عن تمتعه بالنصب الذي يلقاه في التحصيل

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي *** من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة *** أشهى وأحلى من مدامة ساق
وصرير أقلامي على اوراقها *** أحلى من الدوكاه والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها *** نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته *** نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي ؟ !



وفي الإنتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء
حدثنا خلف بن قاسم قال نا الحسن نا محمد بن رمضان قال نا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم قال قال الشافعى لم يكن لى مال وكنت أطلب العلم فى الحداثة وكنت أذهب الى الديوان استوهب الظهور فأكتب فيها

وفي طبقات الشافعية الكبرى عن أبي العباس البكرى من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال جمعت الرحلة بين محمد بن جرير ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزى ومحمد بن هارون الرويانى بمصر فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم وأضر بهم الجوع فاجتمعوا ليلة فى منزل كانوا يأوون إليه فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة فقال لأصحابه أمهلونى حتى أتوضأ وأصلى صلاة الخيرة فاندفع فى الصلاة فإذا هم بالشموع وخصى من قبل والى مصر يدق الباب ففتحوا الباب فنزل عن دابته فقال أيكم محمد بن نصر فقيل هو هذا فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ثم قال أيكم محمد بن جرير فقالوا هو ذا فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ثم قال أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة فقالوا هو هذا يصلى فلما فرغ من صلاته دفع إليه الصرة وفيها خمسون دينارا ثم قال أيكم محمد بن هارون وفعل به كذلك ثم قال إن الأمير كان قائلا بالأمس فرأى فى المنام خيالا قال إن المحامد طووا كشحهم جياعا فأنفذ إليكم هذه الصرار وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إلى أحدكم

وفي ذيل طبقات الحنابلة عن القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البزاز الأنصاري قال: كنتُ مجاورًا بمكة - حرسها الله تعالى - فأصابني يومًا من الأيام جوع شديد لم أجد شيئًا أدفع به عني الجوع، فوجدتُ كيسًا من إبريسم مشدودًا بشرابة من إبريسم أيضًا فأَخذته وجئت به إلى بيتي، فحللته فوجدتُ فيه عقدًا من لؤلؤ لم أرَ مثله، فخرجتُ فإذا الشيخ ينادي عليه، ومعَه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول: هذا لمن يَرد علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقُلت له: تعالى إليّ، فأخذته وجئت به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ وعَدَدَه، والخيط الذي هو مَشدُود به، فأخرجته ودَفعته إليه. فسلم إليّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب عليّ أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لي: لا بد أن تأخذ. ألح عليَّ كثيرًا، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى.
وأما ما كان مني: فإني خرجتُ من مكة وركبتُ البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكت أموالهم، وسلمتُ أنا على قطعة من المركب، فبقيت مُدّةً في البحر لا أدري أين أذهب، فوصَلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعَدتُ في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إليّ وقال: علمني القرآن. فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال.
قال. ثم إني رأيتُ في ذلك المسجد أوراقًا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لي: تحسن تكتب؟. فقلت: نعم، فقالوا: علمنا الخط، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، فكنتُ أعلمهم، فحصل لي أيضًا من ذلك شيء كثير فقالوا لي بعد ذلك: عندنا صبيَّةً يتيمة، ولها شيء من الدُنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعتُ، فقالوا: لا بل، وألزموني، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إليَّ مددتُ عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقًا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: يا شيخ، كسرتَ قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصتُ عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلتُ: ما بكم. فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: ما وجدتُ في الدنيا مسلمًا إلا هذا الذي رد عليَّ هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي، والآن قد حصلت، فبقيتُ معها مدة ورزقتُ منها بولدين.
ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولداي، ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار. وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال.

وفي صيد الخاطر لابن الجوزي يحكي عن نفسه قائلا : ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم ، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود ، وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدري بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله عز وجل

0 comments:

إرسال تعليق