الاثنين، 6 أبريل، 2009

الاختلاف الفكري بين الاتصال والاستئصال

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد
الحوار هو وسيلة الآدميين للتفاهم والأخذ والرد والتوصل لحلول وسطية في سبيل تفادي الصدام عند الاختلافات
ولن تجد أبدا قطيعا ما من أي جنس آخر يرسل بعضهم إلى بعض وفودا للحوار والنقاش قبل أن تبدأ المعركة
ولا أظن أنه يوجد من يريد الحوار حول جدوى الحوار
ولا من يريد أن يبحث عن تأصيل شرعي للحوار
وهل هناك بعد قوله تعالى
"..وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ "
فإن كنا مأمورين بالحوار بالتي هي أحسن مع الكافر المقطوع بكفره في القرآن وهم أهل الكتاب فمن باب أولى يكون هذا مع من دونهم من أمثال الفسقة وغيرهم
والاستثناء في إلا الذين ظلموا يحتاج أيضا إلى توضيح
فالظالم أو المتعدي بقوله أو فعله يعاقب ولا يجادل بالتي هي أحسن
وإنما الحسنى مع صاحب الفكر الذي لم يعتدي بفكره أو يستغل هذا الرقي ليدس سمه
ومن اليسير جدا على صاحب العقل أن يلحظ الفارق بين من يريد الحوار والجدال بالتي هي أحسن وبين هذا الاخر الذي لا يريد إلا أن يطرح سمومه وينشر ركامه الفكري وحطامه الذهني
وأنا مؤمن وبشدة أن الحق أبلج والباطل لجلج
لذلك لا أخشى أبدا من الجدال مع صاحب هوى طالما تسلحت جيدا
فليطرح ما عنده وما دام النقاش أصبح بين حق وباطل فأنا على يقين أن الحق سينتصر
هل ناقشت علماني أبدا فوجدته قوي الحجة !!
الأمر كما نرى
من اليسير جدا أن تحصر أحدهم في زاوية ضيقة وتكيل له اللكمات التي تفقده وعيه وتكشفه أمام نفسه
ولتعيد الكرة في كل مرة إن شاء
فكلما ناقشته كشفت جهله وعواره وبواره فكأنه يخسر في كل مرة تناقشه بعض أرضيته التي يقف عليها
وكلما شاهد الاخرين مثل هذا الحوار فهذا في صالحك يا صاحب الحق
ولا تقل لي أن مثل هذا الحوار ربما كان سببا في ضلال أحدهم إذا خدعه الشيطان وزين له حجة المخالف
فإن صاحب الهوى سيميل عن الجادة شئت أم أبيت وإن لم يكن اليوم فغدا وإن لم يكن في حوار ففي جملة يقرأها أو كلمة يسمعها
فأصحاب النفوس المريضة والطبائع المعوجة يعرف الضلال طريقه إليهم جيدا
وهذه الثقة التي أتحدث بها عن قوة الحق هي ذاتها التي يحدثنا عنها القرآن الكريم في الحوار مع أهل الكتاب
إنها لغة الواثق في منهجه المتيقن من فساد المنهج المغاير له
ألم تر كيف استمع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لأبي الوليد وهو يعرض عليه الكفر حتى إذا فرغ قال له بكل هدؤ " أفرغت يا أبا الوليد "
ثم قرع عقله وقلبه وكيانه كله بالحجة الداحضة حتى قام الرجل مفزوعا من كلام الله
لكن أين الواثق الذي يتحدث بلغة الواثق ومنطق الواثق وحجة الواثق
الحوار مع المخالف مهما كان الخلاف هو الوسيلة المنطقية لإقامة الحجة
فإن أنت قمعت هذا المخالف وحجرت عليه وسجنته فقد ظلمته
وكما قلت طالما اقتصر الأمر على الحجة في مقابل الحجة فجادله بطريقة القرآن
بالتي هي احسن
فإذا ظلم بسخرية أو استهزاء أو تزوير أو تحريف أو اعتداء فهنا نقول أنه يستحق العقاب
ولعل هذا هو الحد الذي يمكن أن نقول أن الحوار قد ينتهي عنده
فإذا وجدت الحجة فالحجة هي العلاج لها
حتى إذا فرغ أحد الطرفين من بسط حجته فإن كان منصفا وحدث الاقتناع فبها ونعمة
وليس المتوقع أن يعلن أحد الطرفين تراجعه
ولا يوجد في الشرع تقييد للحوار بهذا الشرط
بل تكاد تجزم أن هذا أعز من الكبريت الأحمر
أن يعلن أحد المتجادلين هزيمته
بل المراد من هذا الجدال كما أرى هو عرض الحجة ليعلم من يريد الحق من أهل الإنصاف نور الحق وظلمة الباطل
ثم انك تستطيع أن تتحدث بعدها ببينة بعد أن يطرح الطرف الآخر بضاعته ويعرضها بوضوح وتدرك حقيقة قناعاته الفكريه حق الإدراك

وليس في عودتك للنقاش مرة بعد مرة ما يعني أن حجتك بها خلل
والذي يتأمل المنهج القرآني يتعجب من هذا التنزل في الحوار الذي يصل إلى أن تقول لهم
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{24} قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ{25}
ولقد استخدمت الآية الأولى في حوار مع أحد النصارى قديما فبدأت معه قائلا ما معناه
أيها المحترم أحدنا سيدخل النار والاخر سيدخل الجنة فليأخذ أحدنا بذراع الاخر وأنا والله أريدك أن تدخل الجنة
وفتح هذا المدخل قلبه للحوار وقطعنا شوطا جيدا قبل أن يتم إيقاف بريدي السابق بسبب اسفين سافل ويضيع بريد مايكل ولم استطع أن استدل عليه بعدها والله المستعان
أما عن الاية الثانية فانظر كيف يقول عما أجرمنا ويقول عما تعملون
وأنت تريد أن تقول عما عملنا وعما تجرمون
فالذي أريد أن أقوله أن الحوار هو وسيلة رائعة لعرض حجتك مع ثقتك الكاملة في قوة وبيان هذه الحجة
وأعود للتأكيد على أنني هنا أتحدث عن الفكرة التي لم تتحول إلى عمل
وللتوضيح فقد ندبنا القرآن للحوار مع أهل الكتاب
يعني الفكرة في مقابل الفكرة
لكن هل يسمح الشرع لهم أن ينشروا دينهم بيننا ؟
نستطيع أن أقول وأنا مطمئن أن الشرع لا يمانع في عقد مناظرة بين المسلمين وأهل الكتاب ولا يوجد ما يمنع أن يحضر هذه المناظرة جماهير كثيرة
استنباطا من قوله تعالى
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
..
لكن أن يسعوا لنشر دينهم بين أظهر المسلمين فهذا يمنع مطلقا
فإذا سعى الكتابي هذا والذي ندبنا القرآن للحوار معه بالحسنى رغم معتقده الفاسد إذا سعى لنشر معتقده الفاسد هذا فقد انتقل إلى مرحلة العمل
والعمل من أجل نشر معتقد فاسد يعني العمل من أجل الإفساد فهنا يجب العقاب
وهذا ما فعله الإمام علي رضي الله عنه تقريبا مع الخوارج
فهو لم يقاتلهم حتى ترجموا معتقدهم الفاسد إلى فعل وبدأوا في قتل المسلمين
فقد ناظرهم وحاورهم وذهب ابن عباس إليهم وعاد بالكثيرين منهم إلى الحق وبقى الكثيرين
لكن الإمام لم يستخدم القوة ضدهم بعد نفاذ الحوار وإنما بعد إفسادهم العملي وتقتيلهم للمسلمين الذين حكموا عليهم بالردة وإنا لله وإنا إليه راجعون
ربما يقول قائل أن ما فعله الإمام مع الخوارج كان من باب أخف الضررين
فالانقسامات كانت كبيرة وكيان الدولة المسلمة مهدد في ظل هذه الانقسامات والصراعات
ربما يكون لهذا الرأي وجاهته لكنه يبقى مجرد تفسيرا لا ينفي ما ذهبنا إليه من تأصيل للنقاش مع المخالف
ثم أن هذا الرأي يمكن الاستفادة منه أيضا بأن النظر في المصالح والمفاسد قد يكون له دور كبير في التعامل مع هذا الأمر
فربما رأى الإمام مثلا أن المصلحة في النقاش وأن هذا لا يهدد استقرار الدولة وفيه من المصلحة ما تظهر به حجة الإسلام
أو ربما يرى أهل الحل والعقد في الدولة أن الأجواء غير مهيأة لمثل هذا وأن الضرر سيكون أعم من النفع خاصة في زمن الفتن وعدم الاستقرار
بل ربما يعد طرح مثل هذه الأمور في مثل هذه الأزمان داخلا في باب الخيانة

هذا فيما يتعلق بالموضوع في بعده الأكبر
لكن في نطاقنا الضيق هذا وفي عالمنا الصغير
فأنا ضد استخدام العنف ضد المخالف طالما التزم بالأدب أظهر ما يدل على حرصه على معرفة الحق أو حتى عرض حجته بأسلوب طيب
فلست مع العقاب لمجرد أن الفكر مخالف
لكم دينكم ولي دين
لكن إن أخطأ
فله مثل
تبت يدا أبي لهب وتب
إن تعدى في كلامه ففي طريقة الصديق رضي الله عنه يوم الحديبية ما يفيد
لكن يبقى الأصل هو الحسنى

لا تزال هناك نقطتين صغيرتين لكن يكفي هذا مؤقتا

والحمد لله

0 comments:

إرسال تعليق