كانت ليلة واحدة فقط هي التي بتها في المرة الثانية والأخيرة حتى الآن
أو بالأحرى كان يوما وليلة
ساعات طوال مملة قضيتها وحدي تمنيت لو كان معي من يؤنس وحدتي أخ أو صديق
ثم اتهمت نفسي بعدها بالأنانية
أتريد من يسلي وحدتك على حساب حريته
على كل حال الوحدة هكذا أفضل من صحبة تحرق صدري بدخان السجائر الذي يجعلني أبغض ذاتي
وبعد القراءة في المصحف والحمد لله أنه كان معي جلست أتأمل جدران الزنزانة
إنها ذات الزنزانة التي زرتها العام السابق لم يتغير فيها شئ
فقط أصبحت مألوفة عندي حتى أني كنت أتمنى أن أدخلها هي هي
عندما تأملت في الجدران وجدت شغابيط كثيرة وقصص وحكايات تمنيت لو كان معي قلم لأسطرها أو أكتب بعض الخواطر التي أتتني أثناء قراءتها
وبعدها صار لي شغف بكل ما يكتب على الجدران
ربما لم أكن ألحظها من قبل لقلتها أو لألفتها
أو ربما لأنه ليس من الضروري أن يحمل كل واحد إصبع طبشور ليخط به على الجدار ما يؤمن به لكني صرت مهتما بهذه المرآة الجديدة التي اكتشفتها
أمشي في الشارع فأقرأ ما يسطره الشباب على الجدران
صرت أراها مرآة كبيرة تعكس ثقافات وبيئات
مرآة لا تعكس الصور إنما ترسم فوقها الصور
إنها الجدر
عندما تأتي بعض الصور من خلف الحدود أراقب ما يسطره شبابهم المجاهد على الجدران
وكأن جدرانهم تشمئز من جدراننا الهشة الضحلة الساذجة
أما عندهم فالجدران حية نابضة ثائرة متفجرة
***
أما عن الشخابيط التي وجدتها فقد كانت متنوعة بعضها نحت وبعضها رسم
كانت هناك محاولات شعرية بدائية لكنها صادقة
حتي أني تخيلت أن صاحبها كان يبكي أثناء كتابتها وهو يشتكي ظلم أولي القربى
وكتب أسفل قصيدته الكسيحة التي لا أذكر منها شئ بكل أسف حكمة تقول
لا أمان لأصابع اليد
صدق والله
أتذكر الآن عبارته هذه وفي ذهني قصة هذا الوغد الذي سرقني
جلس معي كثيرا وحكي لي عن أمور لا تحكى أبدا
كنت أجالسه وأعلم أن مثله ممن امتزج الشر بالدماء في عروقهم لا ينصلح حالهم
كان يعتبرني كاتم أسراره ولا أعلم لماذا اختارني رغم التباين الرهيب بين شخصيتي وشخصيته
فقط يقول لي أستريح للكلام معك
وأنا أشتكي إلى الله في صمت ساعة أو ساعتين سيضيعان معه
ليته حتى يسمع
يريد أن يحكي فقط
لكني كنت أقول
لو سرق الدنيا كلها لن يسرقني
أو هكذا ظننت
ربما بسبب الجيرة أو بسبب طول الفترة التي ظل يجالسني فيها
المصيبة أنه وعند أول فرصة سرقني وأنا من كنت أظن أنه كحلقة في إبهمي
أحرق الله هذه الحلقة النجسة
شخص آخر كتب يقول
لا تبكي يا عين على اللي ماتوا
ابكي على اللي جوا السجون باتوا
لا أعلم إن كانت هذه الحكمة ناتجة من حكمة هذا الحكيم السجين
أم لعله اقتبسها من بعض السجناء الذين سبقوه
لكني أيضا شعرت أنها مليئة بالأسى
فيا ترى أيها الباكي من الذي اتى بك إلى هنا
ليتني أعلم هل تستحق الشفقة أم اللعنة
وجهت وجهي شطر جدار آخر فوجدت قلوب كثيرة وسهام كيوبيد تخترقها
إنه الحب
لعله شاب مراهق لم ينتبه بعد إلى هذه الخدعة الرهيبة التي يسمونها الحب
أيها الأحمق إنها مجرد هرمونات وتفاعلات كيميائية
لكنه لفت انتباهي وبشدة
فقلب المحب كما أتخيله قلب رقيق رفيق
فما الذي أتى بك إلى هنا يا ترى
وهنا انتبهت إلى رسم على هيئة ثعبان يلتف على نفسه حتى صار رأسه عند ذيله
وفي داخله كان هناك اسم أعرفه
ترى هل هو ذات المحب صاحب القلوب
في غالب الظن كان هو
لم يتجاوز الثامنة عشر
أتذكره وهو صغير كان كالنسمة
وجه جميل وخفة دم عالية
لكنها التربية
مات أبوه وتزوجت أمه وسافرت أختيه ولم يتبقى إلا هو وأخ وأم وزوج أم
رويدا رويدا تحول الوجه الجميل الملائكي إلى وجه قبيح شيطاني
إنه البانجو
يتاجر هو وشقيقه الأكبر في البانجو وقد عرف عنهم هذا
فكانت هذه هي المرة الأولى التي أعلم أنه دخل السجن وجال بخاطري بعض الذكريات الضاحكة التي كان طرف فيها عندما كان طفلا صغيرا
مسكين أنت يا فتى
هداك الله
أما ما لم أكن أتوقع أن أراه على الجدران فكانت آهة ألم يبثها شاب تم ترحيلة بعد محاولة فاشلة للسفر عن طريق البحر إلى أوربا
مسكين يبدو أنه فقد الكثير من المال في سبيل هذه المحاولة الفاشلة
ليته يصبر نفسه بأنه لم يفقد حياته غرقا في البحر مع الذين غرقوا من قبل ومن بعد
وكأني بهذا الشاب كان يمني نفسه بعالم جديد وعيش رغيد
لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل
ترى كم أنفق من أجل السفر
ولماذا لم يقم مشروعا ما بهذه الأموال
هل كان يبحث عن العمل فقط أم العمل والمتعة
فقلت لعله سمع مثلما سمعت عن بعض الأشخاص الذين ذهبوا لعام أو عامين ثم جاءوا بآلاف اليورو والدولارات
في كل الأحوال هو مسكين وجد أن أحلامه كلها تنتهي عند حاجز الحياة المستحيلة التي يحياها أبناء الطبقة الوسطى ففضل أن يحمل كل ما يملك في هذه الرحلة أو المقامرة التي خسرها
مسكين أنت أيها الشعب
خلف كل باب تحاول أن تفتحه للفرار غول رهيب أو هول مهيب
لك الله
هذا ما يحضرني الآن من هذه الجداريات
ولما كان هذا هو العرف أو القانون هنا أن يسطر الجميع بعض العبارات
فقد رأيت أنه لا يجوز لي أن أخالف هذا القانون فسطرت على الجدار عبارة واحدة
أعلنت فيها أنه لا حل إلا في الإسلام
أو بالأحرى كان يوما وليلة
ساعات طوال مملة قضيتها وحدي تمنيت لو كان معي من يؤنس وحدتي أخ أو صديق
ثم اتهمت نفسي بعدها بالأنانية
أتريد من يسلي وحدتك على حساب حريته
على كل حال الوحدة هكذا أفضل من صحبة تحرق صدري بدخان السجائر الذي يجعلني أبغض ذاتي
وبعد القراءة في المصحف والحمد لله أنه كان معي جلست أتأمل جدران الزنزانة
إنها ذات الزنزانة التي زرتها العام السابق لم يتغير فيها شئ
فقط أصبحت مألوفة عندي حتى أني كنت أتمنى أن أدخلها هي هي
عندما تأملت في الجدران وجدت شغابيط كثيرة وقصص وحكايات تمنيت لو كان معي قلم لأسطرها أو أكتب بعض الخواطر التي أتتني أثناء قراءتها
وبعدها صار لي شغف بكل ما يكتب على الجدران
ربما لم أكن ألحظها من قبل لقلتها أو لألفتها
أو ربما لأنه ليس من الضروري أن يحمل كل واحد إصبع طبشور ليخط به على الجدار ما يؤمن به لكني صرت مهتما بهذه المرآة الجديدة التي اكتشفتها
أمشي في الشارع فأقرأ ما يسطره الشباب على الجدران
صرت أراها مرآة كبيرة تعكس ثقافات وبيئات
مرآة لا تعكس الصور إنما ترسم فوقها الصور
إنها الجدر
عندما تأتي بعض الصور من خلف الحدود أراقب ما يسطره شبابهم المجاهد على الجدران
وكأن جدرانهم تشمئز من جدراننا الهشة الضحلة الساذجة
أما عندهم فالجدران حية نابضة ثائرة متفجرة
***
أما عن الشخابيط التي وجدتها فقد كانت متنوعة بعضها نحت وبعضها رسم
كانت هناك محاولات شعرية بدائية لكنها صادقة
حتي أني تخيلت أن صاحبها كان يبكي أثناء كتابتها وهو يشتكي ظلم أولي القربى
وكتب أسفل قصيدته الكسيحة التي لا أذكر منها شئ بكل أسف حكمة تقول
لا أمان لأصابع اليد
صدق والله
أتذكر الآن عبارته هذه وفي ذهني قصة هذا الوغد الذي سرقني
جلس معي كثيرا وحكي لي عن أمور لا تحكى أبدا
كنت أجالسه وأعلم أن مثله ممن امتزج الشر بالدماء في عروقهم لا ينصلح حالهم
كان يعتبرني كاتم أسراره ولا أعلم لماذا اختارني رغم التباين الرهيب بين شخصيتي وشخصيته
فقط يقول لي أستريح للكلام معك
وأنا أشتكي إلى الله في صمت ساعة أو ساعتين سيضيعان معه
ليته حتى يسمع
يريد أن يحكي فقط
لكني كنت أقول
لو سرق الدنيا كلها لن يسرقني
أو هكذا ظننت
ربما بسبب الجيرة أو بسبب طول الفترة التي ظل يجالسني فيها
المصيبة أنه وعند أول فرصة سرقني وأنا من كنت أظن أنه كحلقة في إبهمي
أحرق الله هذه الحلقة النجسة
شخص آخر كتب يقول
لا تبكي يا عين على اللي ماتوا
ابكي على اللي جوا السجون باتوا
لا أعلم إن كانت هذه الحكمة ناتجة من حكمة هذا الحكيم السجين
أم لعله اقتبسها من بعض السجناء الذين سبقوه
لكني أيضا شعرت أنها مليئة بالأسى
فيا ترى أيها الباكي من الذي اتى بك إلى هنا
ليتني أعلم هل تستحق الشفقة أم اللعنة
وجهت وجهي شطر جدار آخر فوجدت قلوب كثيرة وسهام كيوبيد تخترقها
إنه الحب
لعله شاب مراهق لم ينتبه بعد إلى هذه الخدعة الرهيبة التي يسمونها الحب
أيها الأحمق إنها مجرد هرمونات وتفاعلات كيميائية
لكنه لفت انتباهي وبشدة
فقلب المحب كما أتخيله قلب رقيق رفيق
فما الذي أتى بك إلى هنا يا ترى
وهنا انتبهت إلى رسم على هيئة ثعبان يلتف على نفسه حتى صار رأسه عند ذيله
وفي داخله كان هناك اسم أعرفه
ترى هل هو ذات المحب صاحب القلوب
في غالب الظن كان هو
لم يتجاوز الثامنة عشر
أتذكره وهو صغير كان كالنسمة
وجه جميل وخفة دم عالية
لكنها التربية
مات أبوه وتزوجت أمه وسافرت أختيه ولم يتبقى إلا هو وأخ وأم وزوج أم
رويدا رويدا تحول الوجه الجميل الملائكي إلى وجه قبيح شيطاني
إنه البانجو
يتاجر هو وشقيقه الأكبر في البانجو وقد عرف عنهم هذا
فكانت هذه هي المرة الأولى التي أعلم أنه دخل السجن وجال بخاطري بعض الذكريات الضاحكة التي كان طرف فيها عندما كان طفلا صغيرا
مسكين أنت يا فتى
هداك الله
أما ما لم أكن أتوقع أن أراه على الجدران فكانت آهة ألم يبثها شاب تم ترحيلة بعد محاولة فاشلة للسفر عن طريق البحر إلى أوربا
مسكين يبدو أنه فقد الكثير من المال في سبيل هذه المحاولة الفاشلة
ليته يصبر نفسه بأنه لم يفقد حياته غرقا في البحر مع الذين غرقوا من قبل ومن بعد
وكأني بهذا الشاب كان يمني نفسه بعالم جديد وعيش رغيد
لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل
ترى كم أنفق من أجل السفر
ولماذا لم يقم مشروعا ما بهذه الأموال
هل كان يبحث عن العمل فقط أم العمل والمتعة
فقلت لعله سمع مثلما سمعت عن بعض الأشخاص الذين ذهبوا لعام أو عامين ثم جاءوا بآلاف اليورو والدولارات
في كل الأحوال هو مسكين وجد أن أحلامه كلها تنتهي عند حاجز الحياة المستحيلة التي يحياها أبناء الطبقة الوسطى ففضل أن يحمل كل ما يملك في هذه الرحلة أو المقامرة التي خسرها
مسكين أنت أيها الشعب
خلف كل باب تحاول أن تفتحه للفرار غول رهيب أو هول مهيب
لك الله
هذا ما يحضرني الآن من هذه الجداريات
ولما كان هذا هو العرف أو القانون هنا أن يسطر الجميع بعض العبارات
فقد رأيت أنه لا يجوز لي أن أخالف هذا القانون فسطرت على الجدار عبارة واحدة
أعلنت فيها أنه لا حل إلا في الإسلام
***
ترى ماذا كنت ستسطر لو دخلت هذه الزنزانة
ترى ماذا كنت ستسطر لو دخلت هذه الزنزانة
0 comments:
إرسال تعليق