الجمعة، 27 يونيو، 2008

جداريات زنزانية

كانت ليلة واحدة فقط هي التي بتها في المرة الثانية والأخيرة حتى الآن
أو بالأحرى كان يوما وليلة
ساعات طوال مملة قضيتها وحدي تمنيت لو كان معي من يؤنس وحدتي أخ أو صديق
ثم اتهمت نفسي بعدها بالأنانية
أتريد من يسلي وحدتك على حساب حريته
على كل حال الوحدة هكذا أفضل من صحبة تحرق صدري بدخان السجائر الذي يجعلني أبغض ذاتي
وبعد القراءة في المصحف والحمد لله أنه كان معي جلست أتأمل جدران الزنزانة
إنها ذات الزنزانة التي زرتها العام السابق لم يتغير فيها شئ
فقط أصبحت مألوفة عندي حتى أني كنت أتمنى أن أدخلها هي هي
عندما تأملت في الجدران وجدت شغابيط كثيرة وقصص وحكايات تمنيت لو كان معي قلم لأسطرها أو أكتب بعض الخواطر التي أتتني أثناء قراءتها
وبعدها صار لي شغف بكل ما يكتب على الجدران
ربما لم أكن ألحظها من قبل لقلتها أو لألفتها
أو ربما لأنه ليس من الضروري أن يحمل كل واحد إصبع طبشور ليخط به على الجدار ما يؤمن به لكني صرت مهتما بهذه المرآة الجديدة التي اكتشفتها
أمشي في الشارع فأقرأ ما يسطره الشباب على الجدران
صرت أراها مرآة كبيرة تعكس ثقافات وبيئات
مرآة لا تعكس الصور إنما ترسم فوقها الصور
إنها الجدر
عندما تأتي بعض الصور من خلف الحدود أراقب ما يسطره شبابهم المجاهد على الجدران
وكأن جدرانهم تشمئز من جدراننا الهشة الضحلة الساذجة
أما عندهم فالجدران حية نابضة ثائرة متفجرة
***
أما عن الشخابيط التي وجدتها فقد كانت متنوعة بعضها نحت وبعضها رسم
كانت هناك محاولات شعرية بدائية لكنها صادقة
حتي أني تخيلت أن صاحبها كان يبكي أثناء كتابتها وهو يشتكي ظلم أولي القربى
وكتب أسفل قصيدته الكسيحة التي لا أذكر منها شئ بكل أسف حكمة تقول
لا أمان لأصابع اليد
صدق والله
أتذكر الآن عبارته هذه وفي ذهني قصة هذا الوغد الذي سرقني
جلس معي كثيرا وحكي لي عن أمور لا تحكى أبدا
كنت أجالسه وأعلم أن مثله ممن امتزج الشر بالدماء في عروقهم لا ينصلح حالهم
كان يعتبرني كاتم أسراره ولا أعلم لماذا اختارني رغم التباين الرهيب بين شخصيتي وشخصيته
فقط يقول لي أستريح للكلام معك
وأنا أشتكي إلى الله في صمت ساعة أو ساعتين سيضيعان معه
ليته حتى يسمع
يريد أن يحكي فقط
لكني كنت أقول
لو سرق الدنيا كلها لن يسرقني
أو هكذا ظننت
ربما بسبب الجيرة أو بسبب طول الفترة التي ظل يجالسني فيها
المصيبة أنه وعند أول فرصة سرقني وأنا من كنت أظن أنه كحلقة في إبهمي
أحرق الله هذه الحلقة النجسة

شخص آخر كتب يقول
لا تبكي يا عين على اللي ماتوا
ابكي على اللي جوا السجون باتوا
لا أعلم إن كانت هذه الحكمة ناتجة من حكمة هذا الحكيم السجين
أم لعله اقتبسها من بعض السجناء الذين سبقوه
لكني أيضا شعرت أنها مليئة بالأسى
فيا ترى أيها الباكي من الذي اتى بك إلى هنا
ليتني أعلم هل تستحق الشفقة أم اللعنة
وجهت وجهي شطر جدار آخر فوجدت قلوب كثيرة وسهام كيوبيد تخترقها
إنه الحب
لعله شاب مراهق لم ينتبه بعد إلى هذه الخدعة الرهيبة التي يسمونها الحب
أيها الأحمق إنها مجرد هرمونات وتفاعلات كيميائية
لكنه لفت انتباهي وبشدة
فقلب المحب كما أتخيله قلب رقيق رفيق
فما الذي أتى بك إلى هنا يا ترى
وهنا انتبهت إلى رسم على هيئة ثعبان يلتف على نفسه حتى صار رأسه عند ذيله
وفي داخله كان هناك اسم أعرفه
ترى هل هو ذات المحب صاحب القلوب
في غالب الظن كان هو
لم يتجاوز الثامنة عشر
أتذكره وهو صغير كان كالنسمة
وجه جميل وخفة دم عالية
لكنها التربية
مات أبوه وتزوجت أمه وسافرت أختيه ولم يتبقى إلا هو وأخ وأم وزوج أم
رويدا رويدا تحول الوجه الجميل الملائكي إلى وجه قبيح شيطاني
إنه البانجو
يتاجر هو وشقيقه الأكبر في البانجو وقد عرف عنهم هذا
فكانت هذه هي المرة الأولى التي أعلم أنه دخل السجن وجال بخاطري بعض الذكريات الضاحكة التي كان طرف فيها عندما كان طفلا صغيرا
مسكين أنت يا فتى
هداك الله
أما ما لم أكن أتوقع أن أراه على الجدران فكانت آهة ألم يبثها شاب تم ترحيلة بعد محاولة فاشلة للسفر عن طريق البحر إلى أوربا
مسكين يبدو أنه فقد الكثير من المال في سبيل هذه المحاولة الفاشلة
ليته يصبر نفسه بأنه لم يفقد حياته غرقا في البحر مع الذين غرقوا من قبل ومن بعد
وكأني بهذا الشاب كان يمني نفسه بعالم جديد وعيش رغيد
لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل
ترى كم أنفق من أجل السفر
ولماذا لم يقم مشروعا ما بهذه الأموال
هل كان يبحث عن العمل فقط أم العمل والمتعة
فقلت لعله سمع مثلما سمعت عن بعض الأشخاص الذين ذهبوا لعام أو عامين ثم جاءوا بآلاف اليورو والدولارات
في كل الأحوال هو مسكين وجد أن أحلامه كلها تنتهي عند حاجز الحياة المستحيلة التي يحياها أبناء الطبقة الوسطى ففضل أن يحمل كل ما يملك في هذه الرحلة أو المقامرة التي خسرها
مسكين أنت أيها الشعب
خلف كل باب تحاول أن تفتحه للفرار غول رهيب أو هول مهيب
لك الله
هذا ما يحضرني الآن من هذه الجداريات
ولما كان هذا هو العرف أو القانون هنا أن يسطر الجميع بعض العبارات
فقد رأيت أنه لا يجوز لي أن أخالف هذا القانون فسطرت على الجدار عبارة واحدة
أعلنت فيها أنه لا حل إلا في الإسلام

***
ترى ماذا كنت ستسطر لو دخلت هذه الزنزانة

0 comments:

إرسال تعليق