كثيرا ما سألني بعضهم عن العلاقة بين الإخوان والتصوف والشيخ البنا والطريقة الحصافية
سأل بعضهم مستفسرا ليعلم حقيقة الأمر وسأل الآخر متهما متشفيا ظانا أنه قد وقع على القاصمة وإنا لله وإنا إليه راجعون
فإليهما جميعا نوضح المسئلة ونجليها لمن يحترم عقول الناس وأفهامهم وأعلم أن هناك قوما لم يبحثوا ليقتنعوا وليس عندهم استعدادا للإقتناع أصلا
فما لي ولهؤلاء القوم ، حسبي أن وضحت الأمر كما أعتقده وأعلمه والله من وراء القصد
************
عن التصوف
كان هذا ردي على أحدهم كان يستفسر عن علاقة الشيخ البنا بالتصوف والطريقة الحصافية ...الخ
اخي الفاضل
أرى أن جل ملاحظاتك وانتقاداتك منصب علي الناحية الصوفية
أو أنك ترى أن الشيخ البنا رحمه الله كان صوفيا و...
ولعل المكان الذي نقلت منه كلامك هذا غير منصف
اذ ان من الانصاف عندما نتكلم عن رأي شخص في مسألة من المسائل أن ننقل كل كلامه في هذه المسئلة
اليس كذلك
وأنا في السطور التالية بإذن الله سأوضح لك هذه النقطة من خلال عنصرين
1- ما هي الطريقة الحصافية التي كان الشيخ البنا منضما اليها
2- رأي الشيخ البنا في التصوف عامة
ولا أنسى أن أذكرك أن معظم الأشياء التي تنقل عن الشيخ البنا من مشاركته في الموالد أو خلافه إنما كان ذلك في فترة الطفولة كما يذكر هو في مذكراته
الطريقة الحصافية ومميزاتها
*********************
قال أبو الحسن الندوي: وقد حدثني كبارُ رجاله وخواصُّ أصحابِه أنه بقِيَ -( أي:
حسن البنا ) - متمسكاً بهذه الأشغال والأوراد إلى آخر عهده وفي زحمة أعماله. أ.ه
*************************************
فما هي هذه الأوراد
هذا ما يوضحه الشيخ البنا
"وأخذت أواظب على الوظيفة الروحية صباحا ومساء، وزادني بها إعجابا أن الوالد
قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث
الصحيحة وسمى هذه الرسالة تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الرزوقية ولم تكن هذه
الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي
وردت في كتب السنة تقريبا، ليس فيها شئ من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب
الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات
وفي هذه الأثناء وقع في يدي كتاب المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي وهو
شيخ الطريقة الأول - ووالد شيخها الحالي السيد الجليل الشيخ عبد الوهاب الحصافي
مد الله في عمره ونفع الله به - والذي توفي ولم أره حيث كانت وفاته الخميس 17
من جمادى الآخرة 1328 الهجرية"
قواعد الطريقة الحصافية ومواقف لشيخ الطريقه
"..ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق، ولكن في استنارة وإشراق وعلى
قواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم، والفقه والعبادة
والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق والانتصار
للكتاب والسنة على أية حال والتحرز من التأويلات الفاسدة والشطحات الضارة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حال حتى إنه غير
كثيرا من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة، ومما كان عليه مشايخه
أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قطبي وملك على لبى من سرته رض اله عنه
شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه كان لا يخشى في ذلك لوم لائم ولا
يدع الأمر والنص مهما كان في حضرة كبير أو عظيم. ومن نماذج ذك أنه زار رياض
باشا حين كان رئيس الوزارة، فدخل أحد العلماء وسلم على الباشا وانحنى حتى
قارب الركوع فقام الشيخ مغضبا وضربه على خديه بمجمع يده ونهره بشدة قائلا:
استقم يا رجل فإن الركوع لا يجوز إلا لله، فلا تذلوا الدين والعلم فذلكم اله. ولم
يستطع العالم ولا الباشا أن يؤاخذاه بشيء.
ودخل أحد الباشوات من أصدقاء رياض باشا وفي إصبعه خاتم من الذهب وفي يده
عصا مقبضها من الذهب كذلك، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا هذا إن استعمال الذهب
في الحلية هكذا حرام على الرجال حلال للنساء فأعط هذين لبعض نسائك، ولا تخالف
عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد الرجل أن يعترض، فتدخل رياض باشا
وعرف بعضهما ببعض والشيخ مصر على أنه لا بد من خلع المقبض والخاتم معا
حتى يزول هذا المنكر.
ودخل مرة على الخديوي توفيق باشا مع العلماء في بعض المقابلات فسلم على
الخديوي بصوت مسموع فرد عليه الخديوي بالإشارة بيده، فقال له في عزم
وتصميم: رد السلام يكون بمثله أو بأحسن منه،. فقل وعليكم السلام ورحمة الله
وبركاته، والرد بالإشارة وحدها لا يجوز ). فلم يسع الخديوي إلا أن يرد عليه باللفظ
ويثنى على موقفه وتمسكه بدينه.
وزار مرة بعض مريديه من الموظفين في بعض دوائر المساحة فرأي على مكتبه
بعض تماثيل من الجبس فسأله: ما هذا يا فلان؟ فقال: هذه تماثيل نحتاج إلها في
عملنا. فقال: إن ذلك حرام. وأمسك بالتمثال وكسر عنقه، ودخل المفتش الإنجليزي
في هذه اللحظة ورأي هذا المنظر فناقش الشيخ فيما صنع. فرد عليه ردا جميلا
وأفهمه أن الإسلام إنما جاء ليقيم التوحيد الخالص وليقضي على كل مظهر من
مظاهر الوثنية في أية صورة من صورها ولهذا حرم التماثيل حتى لا يكون بقاؤها
ذريعة لعبادتها. وأفاض في هذا المعنى بما طلب له المفتش الذي كان يظن أن في
الإسلام لوثة من الوثنية، وسلم للشيخ وأثنى عليه.
وزار مسجد السيد الحسين رضى الله عنه مع بعض مريديه ووقف على القبر يدعو
الدعاء المأثور: السلام على أهل الديار من المؤمنين ) فقال له بعض المريدين: يا
سيدنا الشيخ سل سيدنا الحسين يرضى عني، فالتفت إليه منضبا وقال: “ يرضى عنا
وعنك وعنه: الله ) وبعد أن أتم زيارته شرح لإخوانه أحكام الزيارة وأوضح لهم
الفرق بين البدعية والشرعية منها.
وحدثني الوالد أنه اجتمع بالشيخ رحمه الله في منزل وجيه من وجهاء المحمودية هو
حسن بك أبو سيد حسن رحمه الله، مع بعض الإخوان فدخلت الخادم، وهي فتاة
كبيرة، تقدم له القهوة وهي مكشوفة الذراعين والرأس فنظر إليها الشيخ منضبا
وأمرها بشدة أن تذهب فتستتر وأبى أن يشرب القهوة وألقى على صاحب المنزل
درسا مؤثراً في وجوب احتشام الفتيات وإن كن خدما وعدم إظهار الرجال الأجانب
علين.
وله رحمه الله في ذلك أمور في غاية الكثرة والدقة معا وكذلك شأنه دائما.
هذه الناحية هي التي أثارت في نفسي أعظم معاني الإعجاب والتقدير وكان الإخوان
يكثرون من الحديث عن كرامات الشيخ الحسية فلم أكن أجد لها من الوقع في نفسي
بقدر ما أجده لهذه الناحية العملية، وكنت أعتقد أن أعظم كرامة أكرمه الله بها هي
هذا التوفيق لنشر دعوة الإسلام على هذه القواعد السليمة وهذه الناحية العملية على
محارم الله تبارك وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل ذلك ولم تتجاوز سني الثانية عشرة."
هذه هي الصوفية التي يقال ان الشيخ البنا كان ملتزما بها في فترة طفولته وأيام صباه
فأكرم بها من صوفية
ثم لماذا نغفل كلام الشيخ البنا عن الصوفية بطريقة مباشرة
ومن المفترض أن يكون هذا مانعا بعد هذا لمن يتكلم في هذا الباب
رأي في التصوف
ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر - حول التصوف والطرق
في تاريخ الدعوة الإسلامية - تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون
هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق
في المعاني الاصطلاحية فإنما س مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتوارد في
الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير
ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حين اتسع عمران الدولة الإسلامية في صدر القرن الأول، وكثرت فتوحاتها وأقبلت
الدنيا على المسلمين من كل مكان، وحببت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خلفيتهم بعد
ذك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه.
وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها
في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول
الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك،
أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في
متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد يسره من متاع الآخرة الباقي: “وإن الدار
الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه
الدعوة - الإمام الواعظ الجليل - الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه
الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم
الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.
وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت
صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله
الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.
وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه” علوم التربية والسلوك”، لا شك أنه من لب
الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها،
والطب لها والرقي بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس
بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق
التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح
العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر
والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو،
والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى
عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي
رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.
ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا
الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل
الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية
وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو
ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد
والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة وأصبح كل ما
يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله
والحريصين على صفائه ونقائه
*********************
الأستاذ التلمساني وكلامه عن الأولياء
بداية وحتى إذا لم يكن هذا التوضيح من الأستاذ التلمساني لبعض كلامه الذي سنذكره الان موجودا فكان يكفي المنصف الذي يريد أن يتعرف على رأي الإخوان في هذا الأمر أن يرجع إلى أصول الجماعة المتفق عليها فيطالع الأصول العشرين ليعرف رأي الإخوان في القبور والأضرحة والطواف حولها وسؤال الموتى
فهذ هو رأي الإخوان في أصولهم
أما كلام أي فرد من الإخوان مهما بلغت درجته في الجماعة فلا يمثل إلا رأيه طالما كان ذلك مخالفا لأصول الجماعة
حتى لو كان هذا الشخص هو المرشد العام
وهذا لأن المرشد عند الإخوان هي رتبة إدارية وليست رتبة روحية فلا يعتقد الإخوان في قداسة ولا عصمة
سأل بعضهم مستفسرا ليعلم حقيقة الأمر وسأل الآخر متهما متشفيا ظانا أنه قد وقع على القاصمة وإنا لله وإنا إليه راجعون
فإليهما جميعا نوضح المسئلة ونجليها لمن يحترم عقول الناس وأفهامهم وأعلم أن هناك قوما لم يبحثوا ليقتنعوا وليس عندهم استعدادا للإقتناع أصلا
فما لي ولهؤلاء القوم ، حسبي أن وضحت الأمر كما أعتقده وأعلمه والله من وراء القصد
************
عن التصوف
كان هذا ردي على أحدهم كان يستفسر عن علاقة الشيخ البنا بالتصوف والطريقة الحصافية ...الخ
اخي الفاضل
أرى أن جل ملاحظاتك وانتقاداتك منصب علي الناحية الصوفية
أو أنك ترى أن الشيخ البنا رحمه الله كان صوفيا و...
ولعل المكان الذي نقلت منه كلامك هذا غير منصف
اذ ان من الانصاف عندما نتكلم عن رأي شخص في مسألة من المسائل أن ننقل كل كلامه في هذه المسئلة
اليس كذلك
وأنا في السطور التالية بإذن الله سأوضح لك هذه النقطة من خلال عنصرين
1- ما هي الطريقة الحصافية التي كان الشيخ البنا منضما اليها
2- رأي الشيخ البنا في التصوف عامة
ولا أنسى أن أذكرك أن معظم الأشياء التي تنقل عن الشيخ البنا من مشاركته في الموالد أو خلافه إنما كان ذلك في فترة الطفولة كما يذكر هو في مذكراته
الطريقة الحصافية ومميزاتها
*********************
قال أبو الحسن الندوي: وقد حدثني كبارُ رجاله وخواصُّ أصحابِه أنه بقِيَ -( أي:
حسن البنا ) - متمسكاً بهذه الأشغال والأوراد إلى آخر عهده وفي زحمة أعماله. أ.ه
*************************************
فما هي هذه الأوراد
هذا ما يوضحه الشيخ البنا
"وأخذت أواظب على الوظيفة الروحية صباحا ومساء، وزادني بها إعجابا أن الوالد
قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث
الصحيحة وسمى هذه الرسالة تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الرزوقية ولم تكن هذه
الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي
وردت في كتب السنة تقريبا، ليس فيها شئ من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب
الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات
وفي هذه الأثناء وقع في يدي كتاب المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي وهو
شيخ الطريقة الأول - ووالد شيخها الحالي السيد الجليل الشيخ عبد الوهاب الحصافي
مد الله في عمره ونفع الله به - والذي توفي ولم أره حيث كانت وفاته الخميس 17
من جمادى الآخرة 1328 الهجرية"
قواعد الطريقة الحصافية ومواقف لشيخ الطريقه
"..ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق، ولكن في استنارة وإشراق وعلى
قواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم، والفقه والعبادة
والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق والانتصار
للكتاب والسنة على أية حال والتحرز من التأويلات الفاسدة والشطحات الضارة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حال حتى إنه غير
كثيرا من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة، ومما كان عليه مشايخه
أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قطبي وملك على لبى من سرته رض اله عنه
شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه كان لا يخشى في ذلك لوم لائم ولا
يدع الأمر والنص مهما كان في حضرة كبير أو عظيم. ومن نماذج ذك أنه زار رياض
باشا حين كان رئيس الوزارة، فدخل أحد العلماء وسلم على الباشا وانحنى حتى
قارب الركوع فقام الشيخ مغضبا وضربه على خديه بمجمع يده ونهره بشدة قائلا:
استقم يا رجل فإن الركوع لا يجوز إلا لله، فلا تذلوا الدين والعلم فذلكم اله. ولم
يستطع العالم ولا الباشا أن يؤاخذاه بشيء.
ودخل أحد الباشوات من أصدقاء رياض باشا وفي إصبعه خاتم من الذهب وفي يده
عصا مقبضها من الذهب كذلك، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا هذا إن استعمال الذهب
في الحلية هكذا حرام على الرجال حلال للنساء فأعط هذين لبعض نسائك، ولا تخالف
عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد الرجل أن يعترض، فتدخل رياض باشا
وعرف بعضهما ببعض والشيخ مصر على أنه لا بد من خلع المقبض والخاتم معا
حتى يزول هذا المنكر.
ودخل مرة على الخديوي توفيق باشا مع العلماء في بعض المقابلات فسلم على
الخديوي بصوت مسموع فرد عليه الخديوي بالإشارة بيده، فقال له في عزم
وتصميم: رد السلام يكون بمثله أو بأحسن منه،. فقل وعليكم السلام ورحمة الله
وبركاته، والرد بالإشارة وحدها لا يجوز ). فلم يسع الخديوي إلا أن يرد عليه باللفظ
ويثنى على موقفه وتمسكه بدينه.
وزار مرة بعض مريديه من الموظفين في بعض دوائر المساحة فرأي على مكتبه
بعض تماثيل من الجبس فسأله: ما هذا يا فلان؟ فقال: هذه تماثيل نحتاج إلها في
عملنا. فقال: إن ذلك حرام. وأمسك بالتمثال وكسر عنقه، ودخل المفتش الإنجليزي
في هذه اللحظة ورأي هذا المنظر فناقش الشيخ فيما صنع. فرد عليه ردا جميلا
وأفهمه أن الإسلام إنما جاء ليقيم التوحيد الخالص وليقضي على كل مظهر من
مظاهر الوثنية في أية صورة من صورها ولهذا حرم التماثيل حتى لا يكون بقاؤها
ذريعة لعبادتها. وأفاض في هذا المعنى بما طلب له المفتش الذي كان يظن أن في
الإسلام لوثة من الوثنية، وسلم للشيخ وأثنى عليه.
وزار مسجد السيد الحسين رضى الله عنه مع بعض مريديه ووقف على القبر يدعو
الدعاء المأثور: السلام على أهل الديار من المؤمنين ) فقال له بعض المريدين: يا
سيدنا الشيخ سل سيدنا الحسين يرضى عني، فالتفت إليه منضبا وقال: “ يرضى عنا
وعنك وعنه: الله ) وبعد أن أتم زيارته شرح لإخوانه أحكام الزيارة وأوضح لهم
الفرق بين البدعية والشرعية منها.
وحدثني الوالد أنه اجتمع بالشيخ رحمه الله في منزل وجيه من وجهاء المحمودية هو
حسن بك أبو سيد حسن رحمه الله، مع بعض الإخوان فدخلت الخادم، وهي فتاة
كبيرة، تقدم له القهوة وهي مكشوفة الذراعين والرأس فنظر إليها الشيخ منضبا
وأمرها بشدة أن تذهب فتستتر وأبى أن يشرب القهوة وألقى على صاحب المنزل
درسا مؤثراً في وجوب احتشام الفتيات وإن كن خدما وعدم إظهار الرجال الأجانب
علين.
وله رحمه الله في ذلك أمور في غاية الكثرة والدقة معا وكذلك شأنه دائما.
هذه الناحية هي التي أثارت في نفسي أعظم معاني الإعجاب والتقدير وكان الإخوان
يكثرون من الحديث عن كرامات الشيخ الحسية فلم أكن أجد لها من الوقع في نفسي
بقدر ما أجده لهذه الناحية العملية، وكنت أعتقد أن أعظم كرامة أكرمه الله بها هي
هذا التوفيق لنشر دعوة الإسلام على هذه القواعد السليمة وهذه الناحية العملية على
محارم الله تبارك وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل ذلك ولم تتجاوز سني الثانية عشرة."
هذه هي الصوفية التي يقال ان الشيخ البنا كان ملتزما بها في فترة طفولته وأيام صباه
فأكرم بها من صوفية
ثم لماذا نغفل كلام الشيخ البنا عن الصوفية بطريقة مباشرة
ومن المفترض أن يكون هذا مانعا بعد هذا لمن يتكلم في هذا الباب
رأي في التصوف
ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر - حول التصوف والطرق
في تاريخ الدعوة الإسلامية - تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون
هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق
في المعاني الاصطلاحية فإنما س مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتوارد في
الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير
ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حين اتسع عمران الدولة الإسلامية في صدر القرن الأول، وكثرت فتوحاتها وأقبلت
الدنيا على المسلمين من كل مكان، وحببت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خلفيتهم بعد
ذك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه.
وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها
في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول
الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك،
أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في
متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد يسره من متاع الآخرة الباقي: “وإن الدار
الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه
الدعوة - الإمام الواعظ الجليل - الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه
الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم
الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.
وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت
صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله
الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.
وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه” علوم التربية والسلوك”، لا شك أنه من لب
الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها،
والطب لها والرقي بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس
بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق
التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح
العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر
والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو،
والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى
عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي
رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.
ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا
الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل
الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية
وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو
ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد
والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة وأصبح كل ما
يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله
والحريصين على صفائه ونقائه
*********************
الأستاذ التلمساني وكلامه عن الأولياء
بداية وحتى إذا لم يكن هذا التوضيح من الأستاذ التلمساني لبعض كلامه الذي سنذكره الان موجودا فكان يكفي المنصف الذي يريد أن يتعرف على رأي الإخوان في هذا الأمر أن يرجع إلى أصول الجماعة المتفق عليها فيطالع الأصول العشرين ليعرف رأي الإخوان في القبور والأضرحة والطواف حولها وسؤال الموتى
فهذ هو رأي الإخوان في أصولهم
أما كلام أي فرد من الإخوان مهما بلغت درجته في الجماعة فلا يمثل إلا رأيه طالما كان ذلك مخالفا لأصول الجماعة
حتى لو كان هذا الشخص هو المرشد العام
وهذا لأن المرشد عند الإخوان هي رتبة إدارية وليست رتبة روحية فلا يعتقد الإخوان في قداسة ولا عصمة
وقد أنكر البعض على الأستاذ عمر التلمساني قوله بجواز التوسل النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه (شهيد المحراب ) حيث قال : ( لا داعي للتشدد في النكير على من يعتقد في كرامة الأولياء واللجوء إليهم في قبورهم الطاهرة الدعاء فيها عند الشدائد ) :
ا - أما عن قوله : ( لا داعي للتشدد في النكير على من يعتقد في كرامة الأولياء) ، فكرامة الأولياء حق ، أثبتها إجماع العلماء ولم يشذ عنهم أحد، وقد قال الإمام ابن تيمية-رحمه الله -: إن الأولياء لهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين (1).
ثم ذكر رحمه الله طرفا كبيرا من هذه الكرامات من ص 276 إلى 82 2 من الجزء الحادي عشر ، ومما ذكر من الكرامات ، كرامة عمر بن الخطاب ، والزنيرة ، وسعيد بن زيد ، والعلاء بن الخضرمي ، وأبو مسلم الخولاني ، وعامر بن عبد قيس ، والحسن البصري وغيرهم من الأولياء .
وكذلك قرر كرامة الأولياء الإمام ابن عبد الوهاب : حيث يقول : وأقر بكرامات الأولياء ، ومالهم من المكاشفات ، ولكن لا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله (2) . ويقول الإمام الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية في المسألة 99 ، ونؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن الثقات من رواياتهم .
2 - وأما قول الأستاذ التلمساني : ( اللجوء إليهم في قبورهم الطاهرة والدعاء فيها عند الشدائد ، وكرا.مات الأولياء معروفة ) .
وقد وضح - رضي الله عنه -كلامه هذا فيما أوردته مجلة المجتمع الكويتية
عدد 76 4 في 5 1 : 4 : 0 98 1 م . حين سأله المحرر عن زيارة الأضرحة : فقال :
-رحمه الله - موضحا رأيه في ذلك : ( نحن نعتقد أن عادة الأهالي هنا بزيارة القبور ليس فيها ما يخالف السنة فأنا إذا زرت قبرا . لا أفعل إلا السنة ، لكن إذا كنت مسلما وأرى أن الحسين أو غيره يستطيع أن يفعل لي شيئا أو يضر أو ينفع ، فلا شك أن هذا شرك لا، ونحن إذا دعينا لزيارة القبور ، فإننا نزورها ولكن لا نتأثم غير أنه إذا زار غيرنا ضريحا ليستشفى أو يستنزل رزقا فإن هذا وثنية ) .
وهذا في الحقيقة يعتبر إيضاحا لما ورد متقدما في كتاب ( شهيد المحراب ) للأستاذ عمر ، والمطبوع في سنة 1974 ."
__________________
0 comments:
إرسال تعليق