هل يكون السجن أكثر رحمة ورحابة من الوطن؟
ضياء رشوان
سبق أن تناول الكاتب في تلك المساحة علي مدار العامين السابقين،
أكثر من مرة، قضية أحوال المفرج عنهم من المعتقلين السابقين
من أبناء الجماعة الإسلامية وغيرها من جماعات العنف الإسلامي
السابقة التي تحولت تماماً ونهائياً عن هذا الطريق فكرياً وعملياً.
وخلال هذين العامين وقبلهما بكثير، ومنذ أن بدأ
الإفراج عن هؤلاء المعتقلين في عام ١٩٩٨،
لم يتغير شيء تقريباً في أحوال هؤلاء المواطنين المصريين
الذين يبلغ متوسط السنوات التي قضاها كل منهم
في السجن نحو عشر سنوات متصلة، بموجب حالة الطوارئ
ودون أي حكم من أي محاكمة عادية أو استثنائية بإدانة أي واحد منهم..
ويعني هذا من وجهة النظر القانونية والعملية والإنسانية،
أن كل هؤلاء المعتقلين السابقين أبرياء لم
يرتكبوا جرماً مادياً سوي الانتماء للأفكار المتطرفة
والجماعات التي كانت تعتنقها، وهو ما لم تجد فيه
سلطات الأمن ما يمكن أن تحيلهم بسببه لأي نوع من المحاكمة.
وقد دفع هؤلاء المعتقلون السابقون أغلي سنوات عمرهم
في أوضاع تفوق قسوتها أي خيال بالمعتقلات والسجون،
مقابل هذا الانتماء لتلك الأفكار وهذه الجماعات..
وصلت لبعضهم إلي ستة عشر عاماً من مجمل أعمارهم
التي لم تتعد الأعوام الثلاثين عند الإفراج عنهم.
بعد كل تلك السنوات الطويلة الثقيلة،
التي غاب فيها هؤلاء الأبرياء أمام القانون
عن أهليهم وأصدقائهم وجيرانهم بل عن الحياة نفسها..
خرجوا بعد أن استردوا وعيهم ونبذوا، دون رجعة كل أفكار العنف
والغلو ليجدوا أنفسهم في أوضاع شخصية وعائلية واجتماعية
غاية في البؤس والتردي.
أصبح هناك عشرات الآلاف.. نعم عشرات الآلاف
فأقل تقدير لعدد هؤلاء هو أربعة عشر ألفاً
ويصل حسب بعض التقديرات الأكثر دقة إلي ضعف هذا
العدد، من أبناء هذا البلد، وغالبيتهم من محافظات جنوبه
الغارق أصلاً في البؤس والفقر والبطالة، هائمون
علي وجوههم يبحثون عن مورد رزق "حلال" يتعيشون منه وأسرهم،
أو يقيمون به أسرة لمن غيب الموت أو الفقر ذويهم للأبد عنهم.
ولأن البطالة في مصر صارت قدراً لغالبية شبابها،
فقد أضحت لهؤلاء المعتقلين السابقين قدراً مضاعفاً،
فمن ذا الذي يعطي وظيفة لمعتقل سابق،
هذا إذا كان لديه في الأصل وظائف خالية لأي أحد؟
وحتي الباب الضيق الذي أمل بعض من هؤلاء في أن يعودوا
من خلاله إلي الدنيا كمواطنين يكدحون من أجل كسب رزقهم
سرعان ما أغلق، والمقصود به أحكام التعويض
النهائية عن الاعتقال التي كسبوها في المحاكم ويزيد
عددها علي عشرة آلاف حكم بمبالغ هزيلة تتراوح بين ثمانية آلاف
واثنين وعشرين ألف جنيه مصري، فلم تستطع
وزارة الداخلية أن تنفذ سوي عدد ضئيل للغاية منها
بسبب عدم وجود ميزانيات لذلك لديها.
والسؤال الرئيسي الذي نطرحه هنا ونسعي للبحث
عن إجابته عند كل القراء الأعزاء وقادة الرأي العام
من السياسيين والنخبة المثقفة وأجهزة الدولة المعنية
ورجال الأعمال في هذا البلد ومؤسسات المجتمع المدني هو:
هل يمكن وفقاً لأي اعتبارات إنسانية أو دستورية أو متعلقة
بأمن بلدنا ومجتمعنا أن نظل متجاهلين تلك القضية الخطيرة
دون أي محاولات جادة لحلها؟
والإجابة عند الكاتب واضحة لا تحتمل التردد أو التفكير:
لا يمكن لكل هذه الاعتبارات ترك تلك الأزمة لكي تستفحل
وتسحق في تصاعدها هذه الأرواح الشابة من أبناء مصر
أولاً ثم تطيح ثانياً باستقرار وأمن هذا البلد أو ما تبقي منه.
إن عودة هؤلاء الشباب عن طريق العنف الديني -فكراً وممارسة-
حقيقية ومؤكدة، ولكن ظروف الحياة البائسة التي تلتهم
كل يوم بل كل ساعة إنسانيتهم أيضاً حقيقية وبالغة الألم،
ولا يمكن المراهنة علي أن يقاوم هؤلاء تلك الظروف إلي الأبد
فلا يعود بعضهم إلي طريقه القديم وربما أكثر غلواً فيه،
أو يجنح البعض الآخر إلي طريق العنف الجنائي الذي قد يتصوره
الحل لمقاومة تلك الظروف.
وحتي نتبين طبيعة هذه الظروف وما يمكن أن تدفع إليه،
يكفي أن نعرف أن بضع مئات من هؤلاء المعتقلين السابقين
قد طلبوا من أجهزة الأمن إعادة اعتقالهم حتي يتمتعوا
علي الأقل بمأوي وثلاث وجبات مجانية في سجون كانت في سنواتهم الأخيرة
بها بعد تغير المعاملة الأمنية أفضل بكثير من الأوضاع التي يعيشونها اليوم خارجها.
بشكل محدد وضمن المساحة المحدودة المتاحة لنا،
المطلوب اليوم هو: أولاً، أن يقوم السيد رئيس الوزراء
ووزير ماليته بتدبير مبلغ التعويضات الهزيلة المحكوم لهؤلاء
بها وصرفها لهم علي وجه السرعة حتي تعينهم علي بدء حياة جديدة
أقل بؤساً مما يعيشونه، وليكن اعتبار الحفاظ علي الأمن القومي للبلاد
هو مبرر تدبير هذا المبلغ.
ثانياً، أن تتشكل مؤسسة أهلية تطوعية يبادر بها
رجال الأعمال المصريون الوطنيون المدركون أهمية تلك القضية
وخطورة إهمالها ليس فقط علي البلاد كلها بل علي مصالحهم
وأعمالهم هم، تكون مهمتها خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب
في شركاتهم ومصانعهم ومؤسساتهم حسب تخصصاتهم وخبراتهم، وهي كثيرة متنوعة.
ثالثاً، أن يتكرم زملاؤنا وأصدقاؤنا من قادة الرأي العام
بكل تخصصاتهم بالمساهمة في شن حملة إعلامية واسعة ومتواصلة
من أجل طرح تلك القضية الخطيرة،
وتنبيه مختلف قطاعات الدولة والنخبة والمجتمع لها،
واقتراح حلول أخري غير تلك التي جادت بها قريحة الكاتب المتواضعة.
أكثر من مرة، قضية أحوال المفرج عنهم من المعتقلين السابقين
من أبناء الجماعة الإسلامية وغيرها من جماعات العنف الإسلامي
السابقة التي تحولت تماماً ونهائياً عن هذا الطريق فكرياً وعملياً.
وخلال هذين العامين وقبلهما بكثير، ومنذ أن بدأ
الإفراج عن هؤلاء المعتقلين في عام ١٩٩٨،
لم يتغير شيء تقريباً في أحوال هؤلاء المواطنين المصريين
الذين يبلغ متوسط السنوات التي قضاها كل منهم
في السجن نحو عشر سنوات متصلة، بموجب حالة الطوارئ
ودون أي حكم من أي محاكمة عادية أو استثنائية بإدانة أي واحد منهم..
ويعني هذا من وجهة النظر القانونية والعملية والإنسانية،
أن كل هؤلاء المعتقلين السابقين أبرياء لم
يرتكبوا جرماً مادياً سوي الانتماء للأفكار المتطرفة
والجماعات التي كانت تعتنقها، وهو ما لم تجد فيه
سلطات الأمن ما يمكن أن تحيلهم بسببه لأي نوع من المحاكمة.
وقد دفع هؤلاء المعتقلون السابقون أغلي سنوات عمرهم
في أوضاع تفوق قسوتها أي خيال بالمعتقلات والسجون،
مقابل هذا الانتماء لتلك الأفكار وهذه الجماعات..
وصلت لبعضهم إلي ستة عشر عاماً من مجمل أعمارهم
التي لم تتعد الأعوام الثلاثين عند الإفراج عنهم.
بعد كل تلك السنوات الطويلة الثقيلة،
التي غاب فيها هؤلاء الأبرياء أمام القانون
عن أهليهم وأصدقائهم وجيرانهم بل عن الحياة نفسها..
خرجوا بعد أن استردوا وعيهم ونبذوا، دون رجعة كل أفكار العنف
والغلو ليجدوا أنفسهم في أوضاع شخصية وعائلية واجتماعية
غاية في البؤس والتردي.
أصبح هناك عشرات الآلاف.. نعم عشرات الآلاف
فأقل تقدير لعدد هؤلاء هو أربعة عشر ألفاً
ويصل حسب بعض التقديرات الأكثر دقة إلي ضعف هذا
العدد، من أبناء هذا البلد، وغالبيتهم من محافظات جنوبه
الغارق أصلاً في البؤس والفقر والبطالة، هائمون
علي وجوههم يبحثون عن مورد رزق "حلال" يتعيشون منه وأسرهم،
أو يقيمون به أسرة لمن غيب الموت أو الفقر ذويهم للأبد عنهم.
ولأن البطالة في مصر صارت قدراً لغالبية شبابها،
فقد أضحت لهؤلاء المعتقلين السابقين قدراً مضاعفاً،
فمن ذا الذي يعطي وظيفة لمعتقل سابق،
هذا إذا كان لديه في الأصل وظائف خالية لأي أحد؟
وحتي الباب الضيق الذي أمل بعض من هؤلاء في أن يعودوا
من خلاله إلي الدنيا كمواطنين يكدحون من أجل كسب رزقهم
سرعان ما أغلق، والمقصود به أحكام التعويض
النهائية عن الاعتقال التي كسبوها في المحاكم ويزيد
عددها علي عشرة آلاف حكم بمبالغ هزيلة تتراوح بين ثمانية آلاف
واثنين وعشرين ألف جنيه مصري، فلم تستطع
وزارة الداخلية أن تنفذ سوي عدد ضئيل للغاية منها
بسبب عدم وجود ميزانيات لذلك لديها.
والسؤال الرئيسي الذي نطرحه هنا ونسعي للبحث
عن إجابته عند كل القراء الأعزاء وقادة الرأي العام
من السياسيين والنخبة المثقفة وأجهزة الدولة المعنية
ورجال الأعمال في هذا البلد ومؤسسات المجتمع المدني هو:
هل يمكن وفقاً لأي اعتبارات إنسانية أو دستورية أو متعلقة
بأمن بلدنا ومجتمعنا أن نظل متجاهلين تلك القضية الخطيرة
دون أي محاولات جادة لحلها؟
والإجابة عند الكاتب واضحة لا تحتمل التردد أو التفكير:
لا يمكن لكل هذه الاعتبارات ترك تلك الأزمة لكي تستفحل
وتسحق في تصاعدها هذه الأرواح الشابة من أبناء مصر
أولاً ثم تطيح ثانياً باستقرار وأمن هذا البلد أو ما تبقي منه.
إن عودة هؤلاء الشباب عن طريق العنف الديني -فكراً وممارسة-
حقيقية ومؤكدة، ولكن ظروف الحياة البائسة التي تلتهم
كل يوم بل كل ساعة إنسانيتهم أيضاً حقيقية وبالغة الألم،
ولا يمكن المراهنة علي أن يقاوم هؤلاء تلك الظروف إلي الأبد
فلا يعود بعضهم إلي طريقه القديم وربما أكثر غلواً فيه،
أو يجنح البعض الآخر إلي طريق العنف الجنائي الذي قد يتصوره
الحل لمقاومة تلك الظروف.
وحتي نتبين طبيعة هذه الظروف وما يمكن أن تدفع إليه،
يكفي أن نعرف أن بضع مئات من هؤلاء المعتقلين السابقين
قد طلبوا من أجهزة الأمن إعادة اعتقالهم حتي يتمتعوا
علي الأقل بمأوي وثلاث وجبات مجانية في سجون كانت في سنواتهم الأخيرة
بها بعد تغير المعاملة الأمنية أفضل بكثير من الأوضاع التي يعيشونها اليوم خارجها.
بشكل محدد وضمن المساحة المحدودة المتاحة لنا،
المطلوب اليوم هو: أولاً، أن يقوم السيد رئيس الوزراء
ووزير ماليته بتدبير مبلغ التعويضات الهزيلة المحكوم لهؤلاء
بها وصرفها لهم علي وجه السرعة حتي تعينهم علي بدء حياة جديدة
أقل بؤساً مما يعيشونه، وليكن اعتبار الحفاظ علي الأمن القومي للبلاد
هو مبرر تدبير هذا المبلغ.
ثانياً، أن تتشكل مؤسسة أهلية تطوعية يبادر بها
رجال الأعمال المصريون الوطنيون المدركون أهمية تلك القضية
وخطورة إهمالها ليس فقط علي البلاد كلها بل علي مصالحهم
وأعمالهم هم، تكون مهمتها خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب
في شركاتهم ومصانعهم ومؤسساتهم حسب تخصصاتهم وخبراتهم، وهي كثيرة متنوعة.
ثالثاً، أن يتكرم زملاؤنا وأصدقاؤنا من قادة الرأي العام
بكل تخصصاتهم بالمساهمة في شن حملة إعلامية واسعة ومتواصلة
من أجل طرح تلك القضية الخطيرة،
وتنبيه مختلف قطاعات الدولة والنخبة والمجتمع لها،
واقتراح حلول أخري غير تلك التي جادت بها قريحة الكاتب المتواضعة.
0 comments:
إرسال تعليق